الراحل إدريس الخوري .. قصة حياة من هامش المجتمع إلى تطويع القلم

الراحل إدريس الخوري .. قصة حياة من هامش المجتمع إلى تطويع القلم

صورة: أرشيف

الخميس 1 ديسمبر 2022 - 16:48

قلم بارز، قصّة وصحافة، ودعه المغاربة في آخر ساعات الاثنين، كانَه إدريس الخوري، الاسم الذي لا تُتصّور الغفلة عنه في الحديث عن الأدب بالمغرب.

هذا الكاتب الذي “نبت من عدم ومن هامش المجتمع”، كما قال عن نفسه، أبدع في نميمته المقصوصة، التي سقى عربيَّتَها دارجةً مغربية، قبل أن يستبدل جلسات القصّ وتطويع القلم والقهقهات المتواجدة، برفقة الكاتبين الراحلين اللذين ارتبط اسمه بهما، المحمّدين زفزاف وشكري.

إدريس الخوري الذي عبر عما يختلجه، أحيانا، من أحاسيس “بلا جدوى الكتابة في مغرب لا يقرأ من جهة، ومغرب لا يعطي أي أهمية للكاتب ولا الاعتبار الذي يستحقه”، نفثت عوالم الجائحة المأساوية الروح في قلمه، ليخاطبها متسائلا باستنكار: “يا كورونا، أيها الضيف الثقيل أيها الفيروس الخبيث، أما تعبت من نهش أجسادنا المريضة أصلا بالوقت الصعب والأيام المتشابهة؟”.

ومن الشعر فَالقصة القصيرة، ومحاولات إتمام السيرة، إلى تتبع الشأن الثقافي والفني والسياسي صِحافيا، خاصة في إعلام اليسار الاتحادي زمن المعارضة، مرورا بالمناوشات الثقافية وسلاح السخرية، طبع الخوري، أو الكصّ في نَسَبه الأصلي، شخصية متفردة في المشهد الإبداعي.

من الهامش إلى التألق الثقافي العصريّ

محمد الأشعري، روائي شاعر وزير الثقافة سابقا، رأى في رحيل “المرحوم الصديق العزيز إدريس الخوري” فقدانا لـ”أحد العلامات البارزة في ثقافتنا الحديثة بالمغرب”، المعبرة “بشكل دقيق عن مكانة المثقف الحديث في مجتمع حديث العهد بالإبداع والكتابة العصريّين”.

وأضاف الأشعري في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية: “لقد كان الخوري علامة من علامات التحول الحداثي في المغرب، كونه شخصا نبع من الهامش ووسط فقير، ولم تكن له حظوظ في تعليم متقدم، لكنه استطاع أن يبني بعصامية لا مثيل لها وجودا ثقافيا”.

وزاد: “اطلع مبكرا على نصوص أساسية، خاصة في مجال القصة القصيرة والرواية، وكان له من الفضول والشغف الثقافي ما يدفعه للبحث عن كل ما يترجم لكبار الكُتّاب الأجانب (…) واستطاع بعمل دؤوب أن يطور نفسه على مستويين: مستوى الاستيعاب الثقافي لقضايا حديثة في مجال التعبير الأدبي، ومستوى الكتابة أو الإنجاز داخل الكتابة”.

ومنذ مجموعته الأولى القصصية “حزن في الرأس والقلب”، سجل الأشعري أن إدريس الخوري قد “اختطّ لنفسه مسارا خاصا في القصة بناء ولغة وشكلا”، وقال: “كان يكتب مقتنعا بأهمية رصيده من الثقافة الشعبية” مع “انفتاح على الأشكال الجديدة للكتابة الأدبية”، ويكتب بـ”رصيد مهم من الانفتاح على الأشكال التعبيرية الأخرى”.

وحول التجربة الإعلامية للصحافي الأديب الراحل، ذكر الأشعري أنه كان “رائدا في الكتابة الصحافية المتابعة لمختلف الأشكال التعبيرية في المغرب، من الفنون التشكيلية والموسيقى والمسرح والسينما، وربما كان من الصحافيين الأوائل في المغرب ممن نذروا أنفسهم لمتابعة كل الأشكال التعبيرية في مواظبة استثنائية، ومشاهداتُه في هذا المجال، سواء في السينما أو المسرح، كانت استثنائية بكل المقاييس”.

وظل الخوري، وفق الشاهد على مسيرته، “وفيا لجذوره بدرب غلّف (الدار البيضاء)، وظل وفيا لجذوره الثقافية؛ حيث نهل من الإنتاج الثقافي العربي الحديث الذي كان يصدر من دور نشر القاهرة وبيروت وبغداد، وظل وفيا لأسلوبه وعلاقته الاجتماعية، وفوق ذلك كان من الناحية الإنسانية، شخصا استثنائيا بكل ما حمله من إقبال على الحياة واحتفاء بها”.

وفي ختام تصريحه حول تجربة ومسار صديقه إدريس الخوري، تحدث محمد الأشعري عن اقتناع الفقيد بأن “الفن والأدب ليسا شيئا ثانويا في الحياة، بل هما الحياة نفسها”.

“بصمة مغربية صِرفة”

رأى الناقد نجيب العوفي في رحيل القاصّ إدريس الخوري فقدانا لـ”اسم من عيار خاص وثقيل”، كان “كاتبا وصحافيا كبيرا، توالت وانتظمت كتاباته وإسهاماته الأدبية على امتداد نصف قرن ونيّف من الزمان، كاتبا ومبدعا متميزا للقصة القصيرة، ذا أسلوب وطريقة خاصّتين في الكتابة، وكان نسيج وحده في مضمار الكتابة القصصية”.

وأضاف العوفي أن الخوري “كان كاتبا مبدعا للمقالات والأعمدة الصحافية التي تَمَيّز فيها بأسلوبه الأدبي والنقدي الساخر والرشيق”، قبل أن يزيد شارحا: “كانت الكتابة الأدبية والصحافية لفقيدنا العزيز تنضح بنكهة أدبية خاصة هي مزيج من السخرية والنقد اللاذع، مستبطنا مختلف الآفات والأعطاب الاجتماعية والسياسية والثقافية”.

وسجل الناقد ذاته أن “الذاكرة الأدبية المغربية ستحتفظ باسم الخوري كأحد الرموز الحداثية الواقعية للقصة القصيرة المغربية منذ أواخر الستينات وطلائع السبعينات من القرن الفارط، وله في هذا المضمار أعمال قصصية رائدة ومقروءة في مشهدنا الأدبي بشكل عام، والقصصي بنحو خاص”.

وذكر نجيب العوفي أن “المنجز الأدبي القصصي لإدريس الخوري يمتح محليا من الآبار المغربية الاجتماعية، وقصصه كلها تعزف على وتر مغربي صرف، ولهذا بقيت شهرته تقريبا منحصرة في المشهد الثقافي المغربي”.

هذا لا يمنع، وفق الناقد العوفي، “وجود قُراء للخوري في الساحة العربية؛ لكنه يبقى ذا بصمة مغربية صرفة، وهو مقروء على الصعيد المغربي، لأن قصصه، بالدرجة الأولى، تدور في فلك الهموم والمشاكل والأعطاب المغربية منذ الاستقلال إلى الآن”.

“متفرد في الكتابة والحياة”

تحدث الكاتب والصحافي عبد الرحيم التوراني عن إدريس الخوري “المتفرد في الكتابة والحياة، الذي لا يشبه الآخرين”.

وفي خضم حديثه عن تفرد الخوري، تذكر التوراني تحلق أصدقائه حول حكاياته وضحكاته، وشهرته، كما تذكر صراحة الفقيد، القاسية أحيانا.

واستحضر التوراني عصامية إدريس الخوري، وبناء مكانته الأدبية ومكانته في الصحافة الثقافية، إلى جانب محمد شكري ومحمد زفزاف، عبر قراءاته النهمة للكتب القديمة المعروضة بدرب غلّف في الدار البيضاء، ولو أن دراسته لم تتعدَّ الشهادة الابتدائية.

وفي البدء كان الشعر؛ حيث قال التوراني إن الخوري بدأ الكتابة بتجريب نظم الشعر، وله ديوان غير منشور، بعدما نشر في مجلة “الأديب” اللبنانية عددا من قصائده.

تلت هذه المرحلة، حسب الشاهد الذي كان صديقا وزميلا للخوري في العمل الصحافي والحياة، انطلاق كتابة الخوري الروبورتاجات والتحقيقات حول درب غلّف بالدار البيضاء، وهو ما رافقه بعد ذلك، في الستينات، كتابة القصة القصيرة، ونشرها.

وهكذا بنى إدريس الخوري مجده؛ فبعد عمله مدققا لغويا مع جريدة “العلم”، التابعة لحزب الاستقلال (المحافظ رؤية وسياسة)، انتقل إلى الصحافة اليسارية، وبعدما توالى نشر نصوصه في الجرائد، نشر أولى مجموعاته القصصية مطلع السبعينات، ليرسم مع توالي المجموعات والسنين “تَفَرُّدَهُ في الكتابة والحياة”.

اشترك في النشرة البريدية لتصلك آخر الأخبار
أضف تعليقك
بارسالك للتعليق انت توافق على قوانين مجتمع السفير
تعليقات الزوار 0
اخر الأخبار
صوة وصورة