مسارات مغاربة في اسكندينافيا .. حسن كرزازي يجمع أداء الاستثمار بتعابير الثقافة

مسارات مغاربة في اسكندينافيا .. حسن كرزازي يجمع أداء الاستثمار بتعابير الثقافة

صورة: هسبريس

الاثنين 5 ديسمبر 2022 - 07:00

مازال حسن كرزازي يحتفظ بلكنة الوجديين عند حديثه بالدارجة المغربية رغم استقراره في الدنمارك قرابة 33 سنة، كما يستحضر الوجدي نفسه فضاء نشأته عند المبادرة إلى إطلاق مشاريع تستثمر عائدات الهجرة في المغرب، مؤمنا بأن مثل هذه الخطوات، وإن كانت بسيطة في مجملها، تساهم في التنمية عبر خلق فرص للعمل بالوطن الأم.

من جهة أخرى، تعد بساطة كرزازي سمة بارزة في حزمة من الأنشطة الثقافية المهتمة بالهوية المغربية على مستوى الدنمارك عموما، وفي العاصمة كوبنهاغن تحديدا، إذ لا يعتبر نفسه وجديا خلال هذه المواعيد بقدر ما يلوح سفيرا لكل الثقافات المغربية، ومشجعا على انغراسها في الجيل الجديد من الجالية، إلى جانب مساعدة الدنماركيين على تحقيق فهم أعمق للخصوصيات المغربية.

تأثيرات وجدية

ارتبطت نشأة حسن كرزازي بوسط مدينة وجدة، عاصمة جهة الشرق في المغرب، وتحديدا في كل من “درب العرب” وزنقة سيدي بليوط، إذ شب وترعرع في حي شعبي غني بتضامن الساكنة في ما بينها، وبذلك سكنته ميولات تضامنية مازالت منعكسة على تصرفاته، إلى الآن، رغم تخطيه 3 عقود من العيش في الدنمارك.

ويقول حسن: “المكان الذي ولدت فيه كان من أروع الفضاءات في الحي الشعبي الذي كبرت فيه، ومازال كذلك حتى الحين بناء على وجهة نظري للتطورات التي عرفتها مدينة وجدة، ومازلت أحتفظ بذكريات رائعة عما عشته هناك، بما في ذلك إقبالي على التمدرس انطلاقا من ابتدائية ابن طفيل القريبة من بيت الأسرة”.

وعبر كرزازي من إعدادية علال الفاسي نحو ثانوية زيري ابن عطية، حالما بأن يصير ربان طائرة مستقبلا بحكم تميزه في مادة الرياضيات على امتداد مواسم التعلم، لكن صدمته كانت قوية بعدما رسب في اختبارات الباكالوريا 4 دورات متتالية، ليحضر التأثر بأفراد الجالية الزائرين وجدة كل صيف، أواخر ثمانينيات القرن العشرين، ويقرر تجريب الحظ في الهجرة بحلول التسعينيات.

سياحة بلا تأشيرة

استفاد حسن كرزازي من توفره على أخت سبقته إلى الاستقرار في اسكندينافيا كي يلتحق بها في الدنمارك، مبتغيا التعرف على البلد قبل النظر في الرغبة التي تملكته في العيش في هذا الحيز الجغرافي الكائن شمال أوروبا الغربية، وللقيام بذلك أشعر المحيطين به بنيته قضاء فترة استجمام في الخارج قبل العودة إلى مدينة وجدة.

ويعلق الدنماركي المغربي نفسه على ما جرى في تلك الفترة بقوله: “لم تكن هناك تأشيرة بين المغرب والدنمارك وقتها، وكل وافد تتيح له القوانين الدنماركية البقاء في أراضي هذه البلاد مدة 3 شهور بصفة سائح، لذلك حاولت استغلال هذا الوقت بكيفية جعلتني أحسم قراري بالبقاء، فكان ذلك إيذانا بانطلاقة جديدة لحياتي”.

عمل كرزازي، عقب إكمال المدة القانونية التي تتيح له التواجد في وضع نظامي بالدنمارك، على تسوية وضعيته بالزواج من امرأة دنماركية كانت تقيم جوار أخته، ليشرع حسن في محاولة تحقيق الاندماج في المجتمع الدنماركي تدريجيا، والسعي وراء تطوير مكانته ضمن الفضاء الجديد الذي يستقر فيه.

مرحلة التأقلم

يعتبر حسن كرزازي أن تخوفه من الاندماج انتهى عند البصم على أولى المعاملات مع المجتمع الدنماركي، ويشدد على أن نوعية التنشئة التي حظي بها ساهمت في تبديد كل الارتباكات، وبالتالي سار التعاطي مع الناس بكيفية سلسة ودون أي تشنجات كيفما كان نوعها، ما ساهم في نيل ثقة الأغيار خلال جميع المحطات الموالية.

ويفسر “ابن وجدة” حين يورد: “حرصت على التعامل مع الناس بصدق، مبتعدا عن أي لون من الكذب حتى أبقى راضيا عن نفسي كيفما جاءت النتائج، كما تزودت بالصدق في المعاملات مع غيري مهما كان الثمن، وبجانب هذا كله عملت على تعريف المحيطين بي، كلما جاءت الفرصة، بانتسابي إلى حضارة مغربية شامخة تستوجب الاحترام والتقدير”.

وبجانب هذا كله، أقبل حسن على الاستفادة من تكوين لغوي يتيح له ضبط التواصل بالدنماركية، وحقق هذا الهدف من خلال الدعم المحصل من أبناء أخته لتذليل بعض المصاعب في التفاهم، زيادة على استثمار مكتسباته اللغوية زمن الدراسة في وجدة من أجل إكمال وحدات التعلم دون الوقوع في تعثرات مؤثرة. كما زاوج كرزازي بين تعلم اللغة والانخراط في اشتغالات تساعد ممارسي أنشطة مختلفة.

استثمار بالدنمارك والمغرب

ارتبط عمل حسن كرزازي بميدان الفندقة عند بداية اشتغاله فعليا في الدنمارك، عقب ضبط لسان أهل البلد، ومن هذا التموقع حرص على الاستفادة من تجارب وخبرات أطر مهنية مختلفة في هذا المجال، خاصة العمليات المرتبطة بتدخلات الطباخين لإعداد الأطباق من التوصل بالطلب إلى غاية تسليمها للزبائن.

وفي المرحلة الموالية انتقل القادم من جهة الشرق في المغرب إلى العمل في نقل البضائع وتوزيعها، مستهلا هذا المسار بشاحنة واحدة قبل أن يتم تطوير المشروع ليغدو أكثر مردودية من خلال التوفر على أسطول مركبات وأطقم بشرية متفرغة لتوزيع الصحف والمجلات. كما استغل حسن خبرته الأولى في الفندقة للاستثمار في مقهى بالدنمارك.

من جهة أخرى، أقبل حسن كرزازي على مشاريع استثمارية أخرى في المغرب، بتركيز على مدينة وجدة وبحضور شركاء في بعضها، منها فضاء خدماتي تحت اسم “المنزه بارك”، بينما كان آخرها متمثلا في محطة للتزود بالوقود في جهة الشرق، وأيضا مطعم متميز يقدم وجبات بجودة عالية.

جسور التطوع

يرتبط حسن كرزازي بالعمل المدني التطوعي في الدنمارك على مدى سنوات طويلة، من خلال مبادرات تعتني بالشأن الديني للمغاربة والتعريف بالثقافات المتنوعة للوطن الأم، وصولا إلى الانتماء إلى إطار جمعوي يحمل اسم المنتدى الدنماركي المغربي، يعد تتويجا للمسيرة الفردية في قالب جماعي يضم حزمة من أبناء الجالية المغربية المقيمة في هذا البلد الاسكندينافي.

ويقول حسن في هذا الشق: “الهدف الأساسي يتمثل في ربط جسور بين الدنمارك والمغرب، والمساهمة في تنمية العلاقات الثنائية بين المملكتين، والرهان على توفير فهم حقيقي للمكونات الثقافية يبقى أول مدخل للنجاح في القيام بذلك، إذ يجب على الدنماركي أن يعرف المغربي حقا، مثلما المغاربة ملزمون باستيعاب الخصوصيات الدنماركية”.

كما يرى كرزازي أن أفراد الجالية يمكنهم الاندماج في المجتمع الدنماركي دون أن يفضي ذلك إلى الانسلاخ عن الهوية الأصل أو فك الارتباط بالجذور، لذلك تبقى غالبية ذوي الأصل المغربي مستحضرة مصالح الوطن الأم، ومن أجل ذلك يساهم، من خلال المنتدى الدنماركي المغربي، في أنشطة تخلد المناسبات الدينية والوطنية بطريقة مغربية لضمان ارتباط الجيل الجديد بأصله، من جهة، وتعريف المجتمع الدنماركي بالمغرب والمغاربة.

الهجرة باطمئنان

يعتبر حسن كرزازي أن المنخرطين في تجربة الهجرة، سواء بالوفود على الدنمارك أو اسكندينافيا أو أي منطقة في العالم، عليهم أن يقوموا بالخطوة الأولى للتعبير عن رغبتهم في الحصول على ما يسهل اندماجهم في حيز الاستقرار الجديد، وغياب هذا التعاطي، وإن كان الفلاح سيحضر لاحقا، يستنزف الوقت والمجهودات.

ويشدد المستقر في الدنمارك منذ ما يزيد عن 30 سنة على أن الباحثين عن ذواتهم خارج المغرب بمقدورهم أن يستغلوا تجارب من سبقوهم لإدراك ما ينتظرهم بعيون مجربة، مؤكدا أنه يحرص، بمعية عدد من معارفه ذوي الأصل المغربي، على تقديم نصائح للوافدين الجدد كلما رصدوا رغبات في تذليل العقبات، كما يتحركون لتذليل بعض العقبات، قدر الإمكان، من خلال شبكة علاقاتهم وفي إطارات ودية صرفة.

“تغيرت الظروف عبر العالم كي تجعل الهجرة النظامية ملجأ وحيدا للراغبين في سطر مسارات ناجحة بالهجرة، بينما خارقو القوانين صاروا لا يجنون إلا المتاعب حيثما حلوا وارتحلوا، لذلك أشجع الهجرة بطرق مشروعة ما دامت الفرص آخذة في التكاثر كي تلبي جميع الرغبات الجادة في التطور، وأرى أن الجالية المغربية تحتاج دماء جديدة لإكمال عمل السابقين باطمئنان”، يختم حسن كرزازي.

اشترك في النشرة البريدية لتصلك آخر الأخبار
أضف تعليقك
بارسالك للتعليق انت توافق على قوانين مجتمع السفير
تعليقات الزوار 0
اخر الأخبار
صوة وصورة
Loading…
Loading the web debug toolbar…
Attempt #