ابنو عتيق يلامس بداية القطيعة في الصناعات العسكرية المشتركة الألمانية الفرنسية

ابنو عتيق يلامس بداية القطيعة في الصناعات العسكرية المشتركة الألمانية الفرنسية

صورة: أ.ف.ب

الاثنين 5 ديسمبر 2022 - 05:30

قال الوزير السابق ابنو عتيق عبد الكريم، عضو مركز الدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية، إن المتتبعين للعلاقات الفرنسية الألمانية لاحظوا “أنه مع بداية سنة 2000، وكيفما كانت طبيعة الأحزاب السياسية الحاكمة في برلين، أصبحت الاختلافات مع الجار الفرنسي في مجال الدفاع عميقة، بل لم تعد حبيسة جدران المؤسسات المعنية بتدبير الإشكالات المطروحة في هذا المجال”.

وأضاف ابنو عتيق، في مقال له بعنوان “الصناعات العسكرية المشتركة الألمانية الفرنسية.. هل هي بداية القطيعة؟”، أنه “منذ وصول ماكرون إلى الحكم وألمانيا تبحث عن فرص للتملص من التزاماتها المتعلقة بالمشاريع المشتركة مع فرنسا”، ضاربا بذلك مجموعة من الأمثلة.

وبعدما ذكّر بمجموعة من الجوانب المرتبطة بالعلاقات الألمانية الفرنسية، ختم ابنو عتيق مقاله بالإشارة إلى أن “أصواتا ترتفع مطالبة ماكرون بالتوجه نحو بريطانيا، التي تملك صناعة عسكرية متقدمة، وهي عضو دائم في مجلس الأمن وقوة نووية، عكس ألمانيا التي تتعامل مع التعقيدات الكونية بمنطق براغماتي، بدليل أن حضورها العسكري في المناطق الساخنة في العالم لا يتعدى الجوانب المتعلقة بالتكوين أو التطبيب أو اللوجستيك”.

هذا نص المقال:

لاحظ المتتبعون للعلاقات الفرنسية الألمانية أنه مع بداية سنة 2000، وكيفما كانت طبيعة الأحزاب السياسية الحاكمة في برلين، أصبحت الاختلافات مع الجار الفرنسي في مجال الدفاع عميقة، بل لم تعد حبيسة جدران المؤسسات المعنية بتدبير الإشكالات المطروحة في هذا المجال، حجتنا في ذلك مواقف وزير الدفاع السابق في عهد المستشارة ميركل، وبالضبط في نونبر 2020، عندما صرح كارمب كارنبوغ kramp karrenbauerبأن أمن أوروبا مرتبط بالتواجد داخل الحلف الأطلسي. هذه القناعة ترسخت بشكل نهائي عند انطلاق الحرب الروسية الأوكرانية. لفهم هذا التوجه من الضروري الرجوع إلى الوراء، فالجيش الألماني الذي تم حله بعد الحرب العالمية الثانية، تأسس على أنقاضه، سنة 1955، ما يعرف اليوم بالقوات المسلحة الألمانية على يد الولايات المتحدة الأمريكية. هذه الأخيرة كانت في حاجة إلى قوات ميدانية الهدف منها خلق التوازن العسكري مع ألمانيا الشرقية المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي آنذاك. منذ ذلك الحين وواشنطن لها حضور قوي حتى بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين وظهور ألمانيا من جديد كدولة موحدة. يتجلى هذا في وجود قواعد عسكرية أمريكية داخل التراب الألماني، مثل تلك الواقعة جنوب مدينة فرانكفورت، والمتخصصة في عمليات التنصت والتابعة لجهاز “NSA” الأمريكي، ثم أخرى مكلفة باللوجستيك داخل تراب منطقة رمستيان Ramstein ، بالإضافة إلى قاعدة “بوخل” Bûchel الخاصة بالصواريخ النووية، مما يجعل دولة ألمانيا رقما أساسيا في الرؤية الأمريكية الخاصة بالتعاطي مع القارة الأوروبية، سواء تعلق الأمر بالحلف الأطلسي أو بتدبير التواجد النووي داخل القارة العجوز، وهذا ما يفسر جوهر الخلاف الموجود بين برلين وباريز، ففرنسا متشبثة بمبدأ السيادة والاستقلالية الاستراتيجية في التعاطي مع السلاح النووي، في انسجام تام مع إرث الرئيس الراحل دوغول الذي رسخ هذه العقيدة، التي أصبحت ثابتا من ثوابت السياسة الخارجية الفرنسية.

ومعلوم أن الاتفاقية المؤسسة للشراكة الألمانية الفرنسية في مجال الصناعات العسكرية تنظمها بنود ما يسمى باتفاقية “دوبري وشميت”Debré-schmidt ، الموقعة في دجنبر 1971 وفبراير 1972، والتي تنص في الجزء الثاني منها على أن البلدين لهما الحق في تصدير المعدات العسكرية، التي تم إنتاجها بشكل مشترك، بشكل حر وبدون قيود، إلا أن ألمانيا رفضت في سنوات التسعينيات التأشير على تصدير بعض من هذه الأسلحة إلى دول الخليج وأساسا العربية السعودية، في حين كانت تصدر هذه الأسلحة إلى دول عديدة، منها مصر والجزائر وإندونيسيا، وبعد ضغط برلين تنازل الرئيس ماكرون في اتفاقية جديدة موقعة سنة 2019 مع المستشارة ميركل، تقضي ببيع الأسلحة المصنعة من طرف الدولتين إلى أطراف أخرى شريطة أن تكون التكنولوجيا الألمانية في هذه الأسلحة لا تتعدى 20 بالمائة. مباشرة بعد هذا الاتفاق الجديد أصبحت المبادرات المشتركة بين الطرفين محدودة مع بعض الاستثناءات القليلة، مثل الصواريخ المضادة للدبابات “ميلان”Milan ، التي استوردتها أكثر من 55 دولة وتم بيع أزيد من 550.000 صاروخ، بخلاف طائراتي هيلوكوبتر “لوتكر” Le Tigre و”ن هـ 90″ NH90، اللتين لم يستطيعا إيجاد مكان لهما في سوق المنافسة الدولية.

يجب التذكير هنا أنه منذ وصول ماكرون إلى الحكم وألمانيا تبحث عن فرص للتملص من التزاماتها المتعلقة بالمشاريع المشتركة مع فرنسا، وهناك أمثلة عديدة في هذا المجال نذكر منها مشروع الدبابة «MGCS» (Main Ground Combat System) قصد تعويض الدبابتين “لوكلير” و”ليوبارد” في أفق سنة 2030. وتعثر هذه المحاولة راجع إلى رغبة برلين في إقحام الشركة الألمانية “رين ميطال” Rhein metallفي المشروع بالرغم من أنها لم تكن واردة في الاتفاق الأولي مع باريز. كذلك القرار الألماني المتخذ سنة 2021، والهادف إلى مغادرة المبادرة المشتركة المسماة “ماوس” Maws (Maritime Airborne Warfare Systèmes)، والمكلفة بتعويض الطائرات المختصة في مراقبة السواحل، كالطائرة الفرنسية “أطلنتيك 2″ Atlantique2 و”لوكهيد ب 3 س” Lockhed P-3Cالمستعملة من طرف ألمانيا. المفاجأة الكبرى هي أن برلين قامت باقتناء خمس طائرات “بوينغ” من نوع “بوسيدان ب 8 أ” Poseidon p-8A من الشركة الأمريكية بمبلغ 1.43 مليار أورو دون إخبار الجانب الفرنسي أو التنسيق معه. هناك أيضا اختلافات أخرى لا تقتصر على الجوانب الصناعية، بل تتعداها إلى الخلفيات الجيوستراتيجية التي تتحكم في تفسير وتأويل التوازن العسكري عن طريق امتلاك الأسلحة، فمثلا ألمانيا تفضل الطائرة الحربية “أوروفايتر” Eurofighter ، التي ساهمت في صناعتها أربع دول هي بريطانيا وإسبانيا وألمانيا، وتم إنجازها بخلفية الدفاع الجوي المحض، في حين أن طائرة “رافال” Rafale الفرنسية لها أدوار متعددة، أهمها تحقيق التفوق الجوي والتجهيز بالصواريخ النووية.

مثال آخر يتعلق بالغواصة الألمانية “تيب 212” Type 212، التي تمت هندستها من أجل التواجد أساسا في بحري الشمال والبلطيق، في حين أن كل الغواصات الفرنسية مصممة لكي تحمل رؤوسا نووية، وقادرة على التواجد في عمق كل البحار وبدون استثناء. أضف إلى هذا أن الصناعات العسكرية الفرنسية تدخل ضمن الآليات الوظيفية التي تستعملها الدولة كورقة في علاقاتها الخارجية، بينما ألمانيا تتعامل مع قطاع إنتاج الأسلحة كمجال صناعي يحكمه منطق الربح وليس البحث عن الإشعاع والنفوذ الخارجي، مع التذكير هنا بأن الدولة العميقة في ألمانيا، وأساسا الجيش وقطاع الصناعات العسكرية وجل الفاعلين السياسيين يتحفظون من الهيمنة الفرنسية في ميدان التسلح.

سلسلة أخرى من التعثرات يقف عندها كثير من المحللين في البلدين لتأكيد بداية فترة ما قبل القطيعة، أهمها ما حدث سنة 2017، عندما أنهت برلين اتفاقية “شورين” Schwerin ، التي وقعتها مع باريز سنة 2002، والتي تنظم عملية تبادل صور الأقمار الاصطناعية من طرف “إليوس” Helios الفرنسية و”صار لوب” Sar-Lupe الألمانية، بحيث تم تجديد هذه الاتفاقية بواسطة برنامج سمي “CSO” Programme Composante) Spatiale optique ) لإنتاج ثلاثة أقمار اصطناعية، واحد مخصص لألمانيا، التي استثمرت في هذا المشروع 210 ملايين أورو، لكن فجأة وفي نونبر 2017 أعلنت برلين عن شراء قمرين اصطناعيين للمراقبة من الشركة الألمانية “OHB” بمبلغ 400 مليون أورو، تحت ذريعة أنهما مخصصان للأغراض الاستخباراتية التي تتطلب نوعا من السيادة الوطنية والابتعاد عن أي شريك أجنبي. لم يقف الأمر عند هذا الحد، فألمانيا لم تعد متحمسة لإنتاج صاروخ تكتيكي أطلق عليه اسم “ماست. ف” Mast .F لتجهيز طائرات الهيلوكوبتر الفرنسية والألمانية، فصارت باريز مضطرة إلى الاستمرار في الاشتغال لوحدها، نظرا لحاجة أسطولها الجوي لمثل هذه الصواريخ، ونفس المصير ينتظر عملية صنع طائرة حربية بين البلدين، تمت تسميتها بـ”سكاف”SCAF ، حيث اقترح الجانب الألماني إضافة إسبانيا، التي لم تكن واردة أصلا عند انطلاق عملية التفكير والتحضير.

ما ذكرناه في هذا المقال هو جزء قليل من أسئلة بدأت تحاصر وتؤرق صناع القرارات الاستراتيجية في فرنسا، نظرا لضغط ظروف الحرب الأوكرانية الروسية. هذه الأخيرة بدأت تسائل جاهزية جيوش الاتحاد الأوروبي في حالة قيام حرب شاملة في أوروبا، بل إن أصواتا ترتفع مطالبة ماكرون بالتوجه نحو بريطانيا، التي تملك صناعة عسكرية متقدمة، وهي عضو دائم في مجلس الأمن وقوة نووية، عكس ألمانيا التي تتعامل مع التعقيدات الكونية بمنطق براغماتي، بدليل أن حضورها العسكري في المناطق الساخنة في العالم لا يتعدى الجوانب المتعلقة بالتكوين أو التطبيب أو اللوجستيك، فهل يستطيع المجلس الوزاري الفرنسي الألماني الذي تأجل انعقاده إلى يناير 2023، حل الملفات العالقة، أم أن القطيعة هي التي ستحسم كل الخلافات القائمة؟.

اشترك في النشرة البريدية لتصلك آخر الأخبار
أضف تعليقك
بارسالك للتعليق انت توافق على قوانين مجتمع السفير
تعليقات الزوار 0
اخر الأخبار
صوة وصورة
Loading…
Loading the web debug toolbar…
Attempt #