مسارات مغاربة في اسكندنافيا.. صوفيا الجباري تعمل على تخفيف حدة المشاكل الأسرية

مسارات مغاربة في اسكندنافيا.. صوفيا الجباري تعمل على تخفيف حدة المشاكل الأسرية

صورة: هسبريس

الخميس 24 نوفمبر 2022 - 07:00

ازدادت صوفيا الجباري في دولة فنلندا قبل الانتقال إلى الاستقرار في مملكة السويد، جامعة بين ثقافتَي البلدين وما تشبعت به من الثقافة المغربية بحكم انحدار والدها من مدينة العرائش، ومستثمرة الثراء الهوياتي الذي تتسم به من أجل النظر إلى العالم بكيفية مغايرة، حتى تغدو ملازمة لمسار يرضيها سوسيولوجيا وسيكولوجيا.

اجتمعت لدى صوفيا مكتسبات عديدة طيلة فترة عيشها في منطقة اسكندينافيا، وصقلت على مراحل عند حرصها على التواجد وسط أفراد عائلتها شمال المغرب، لتقرر التوجه نحو مساعدة الناس بالطريقة التي تلائمها وتساير قدراتها، مفرزة عطاء إيجابيا ضمن تخصصها العلاجي المساهم في تخفيف حدة المشاكل الأسرية بناء على آليات علمية.

ثلاثية الثقافات

ازدادت صوفيا الجباري في بيت أسري مؤسس على الاختلاط، إذ تنحدر من أب مغربي وأم فنلندية، بينما نشأتها ترتبط بالتواجد في مملكة السويد منذ نعومة أظافرها، ما يدفعها إلى الافتخار بالتنوع الثقافي الذي يلازمها منذ معانقتها الحياة، ويجعلها متموقعة في حيز قادر على استيعاب كم من الخصوصيات الاجتماعية واحترام الحاملين لها.

وتقول صوفيا: “مرت سنوات الطفولة الأولى دون أن أفهم أني أجنبية في السويد، خاصة أن أمي فنلندية ومظهري أوروبي بفعل الجينات، وقد تكرس الوضع بسبب والديّ واندماجهما في المجتمع السويدي بكيفية جيدة، لكنني أدركت ذلك في مرحلة دراسية شهدت ضمي إلى فصل دراسي يحتضن ذوي الأصول الأجنبية؛ ولاحقا وعيت بأن هذه الممارسة متسمة بالعنصرية”.

وحرصت عائلة الجباري على منح ابنتها مهارات مستقاة من الثقافة المغربية، إذ كانت تمضي فصل الصيف في مدينة العرائش كي تحتك بباقي الأهل وتلاعب أقرانها في شوارع هذه الحاضرة، ما جعلها قادرة على تشرب التعابير المغربية، خاصة الحديث السلس بالعربية الدارجة، رغم تأثيرات الرافدين الفنلندي والسويدي في ممارساتها.

بين السوسيولوجيا والسيكولوجيا

تأثرت صوفيا الجباري بافتراق أبيها وأمها وهي في السنة الخامسة من عمرها، ورغم بقائها مستفيدة من عنايتهما طيلة سنوات عديدة إلى أنها شرعت في التساؤل عن نوعية الاضطرابات التي تغيب التفاهمات تحت السقف الواحد، وما إذا كانت هناك تدخلات يمكن القيام بها، في مرحلة ما، للحيلولة دون تفاقم الأوضاع والوصول إلى خيار اللاعودة.

وتعلق ذات الأصل العرائشي على ما وقع بناء على تمثلات هذه الفترة: “تخصص أبي في العلاج النفساني العائلي، وقبله كانت جدتي لا تتقاعس في دعم الناس بالتدخل من أجل محاولة حل مشاكلهم الأسرية المتشعبة، ويمكنني التأكيد أن هذا ما وفر بعض الإجابات عن أسئلتي الطفولية وجعلني، في وقت لاحق، أختار تخصصا دراسيا ومهنيا يجذبني بقدر ما يسعدني وأنا أدعم العائلات والأفراد”.

وأقبلت صوفيا الجباري، بعد تخطي المرحلة الثانوية من مسارها التعليمي، على استكمال الدراسة الجامعية في تخصص يمزج السوسيولوجيا بالسيكولوجيا، كي تغدو مؤهلة لممارسة العلاج النفساني العائلي والفردي، ورغم تخرجها مازالت تواصل التعمق في هذا الميدان بكيفية أكاديمية تساير اشتغالاتها الميدانية.

بصمات إسلامية

وسيرا على النظر إلى الأمور من منظورها ثلاثي الثقافات، بحضور متميز للمدارك المستقاة من الحضارة المغربية الإسلامية عقلا ونقلا، رصدت صوفيا الجباري أن عددا من التقنيات المستعملة في العلاج النفساني العائلي، وتحديدا تلك المتعاملة مع الطفولة والشباب، تتقاطع مع المشهور في الدين الإسلامي، وتحديدا مع السيرة النبوية.

وتفسر الخبيرة السيكوسوسيولوجية نفسها: “بداية، أريد أن أشير إلى أن اطلاعي على التراث الإسلامي مبني على التأطير العائلي أولا، وبفضل الإقبال على دروس نظرية في أحد المراكز المتخصصة هنا في السويد، ثانيا، وخلال فترة التكوين الجامعي وجدت تقاطعات بين عدد من التدابير ومعاملات النبي ﷺ مع الأطفال”.

وترى صوفيا أن السنة النبوية الشريفة تجعل الإسلام أكثر الممارسات العقدية والتعبدية استحضارا للعلاج النفساني الأسري في الشق المهتم بتنشئة الصغار، وتحديدا ما يرتبط بمعاملات النبي محمد ﷺ مع حفيديه الحسن والحسين، حيث يعتبر أن بعض التفاصيل المنقولة بتواتر ترتقي إلى مرتبة تجعلها مثالا يحتذى به لتفادي الأضرار النفسانية وتجنب الأعطاب الاجتماعية.

في السويد وبالمغرب

تركز صوفيا الجباري، منذ بداية عملها الميداني في تقديم الدعم للأسر والأفراد، على الدفع بمسارها المهني نحو آفاق ترضيها وتضمن لها التطور الوظيفي، دون التفريط في مساعيها لتطوير مداركها الأكاديمية وفق المستجدات التي يعرفها تخصصها بإيقاع سريع، لكن ذلك لا يمنعها من تقديم قسط من جهدها على أرض المغرب.

“بادرت إلى تقديم عدد من الخدمات خارج الفضاء المادي لممارستي المهنية، ومازلت حريصة على القيام بذلك حتى الآن، حيث أنشط مجموعة من الورشات في فضاءات مدنية ومؤسسات مسجدية، كما أطرت مستفيدين في إطار مشروع ‘فندق زلجو’ بمدينة العرائش، ولدي رغبة في المساهمة أكثر مستقبلا”، تورد صوفيا الجباري.

وترى الفنلندية السويدية المغربية نفسها أن غايتها الأولى تتمثل في مساعدة الناس أينما وجدوا، وتقديم يد العون لهم لتبديد الصعوبات الاجتماعية والنفسانية التي تعترض طريقهم كيفما كانت أصولهم ومستوياتهم الاجتماعية، لذلك تبقى متشبثة، مهنيا وتطوعا، على محاربة الأعطاب لدى الأفراد والعائلات في كل وقت وأي مكان.

الصدق والصلاح

صارت صوفيا الجباري متجاوزة أسئلتها الطفولية حول اللحمة الأسرية نحو تساؤلات أعمق تصل إلى مستوى البحث عن ماهية النجاح، خاصة أن الغالبية العظمى من البشر يربطون بين ذلك والسعادة، قبل أن يجعلوا هذا الشعور قرينا بالعديد من السبل التي تفضي، في النهاية، إلى الحصول على الأموال.

وتعلن الخبيرة الصحية الاجتماعية عينها أن رأيها يجعل النجاح ملازما للعلاقات التي ينسجها المرء ما دامت موسومة بالصدق، أولا، ومتسمة بالصلاح في مرتبة ثانية، لذلك تعمل على تشجيع الأفراد والجماعات على القيام بارتباطات اجتماعية صالحة وتسير نحو التميز بأعلى منسوب من الصدق.

وتضيف الجباري: “هي فكرة بسيطة لها وجود مركب عند محاولة التطبيق، وهذه مهمة الخبراء في العلاجات النفسية كي يعملوا على مساعدة الناس في التنزيل، بناء على التقنيات والمهارات التي يتوفرون عليها وتتيح كسب الوقت من أجل الحصول على قدر وفير من النتائج الإيجابية إلى أقصى حد”.

البيئة المشجعة

توصي صوفيا الجباري ذوي الأصول الأجنبية في الهجرة، خاصة الجالية المغربية من الجيل المزداد في السويد، بضرورة الاستفادة من التأثير الإيجابي للوالدين كي يفلحوا في مبتغياتهم الدراسية والمهنية، خاصة أن الجيل السابق لديه عدد وافر من قصص الكفاح الاجتماعي التي تبعث على التحفيز.

من جهة أخرى، ترى صوفيا أن الفئة نفسها مطالبة بإيلاء الأهمية للتأطير الجيد في ما يخص الجيل اللاحق، إذ يجب للفرد والأسرة أن يعيشا مع الأطفال بدل جعل التركيز منصبا بالكامل على العمل، معلنة أن العناية الأسرية السليمة قادرة على جعل رعيل الغد يتفادى المطبات الكائنة على طريق المستقبل.

“الأكيد أن الدراسة في السويد أسهل من نظيرتها في المغرب، وهذا أمر يساعد الوافدين من الوطن الأم على الانخراط في البرامج التكوينية المتاحة أمامهم، بينما شق المسارات المتميزة في الهجرة لا يحتاج سوى المواظبة على التنقيب عن الفرص الملائمة، والتحلي بروح المبادرة دون إيلاء أهمية للصور النمطية عند البحث عن توسط البيئة المشجعة على التطور”، تختم صوفيا الجباري.

اشترك في النشرة البريدية لتصلك آخر الأخبار
أضف تعليقك
بارسالك للتعليق انت توافق على قوانين مجتمع السفير
تعليقات الزوار 0
اخر الأخبار
صوة وصورة