لبراق: فاتورة المحروقات ترتفع في المغرب .. و"تسقيف الأسعار" لا يفيد

لبراق: فاتورة المحروقات ترتفع في المغرب .. و

صور: أيوب اجوادي

الأحد 13 فبراير 2022 - 23:40

جدل دولي متواصل بخصوص ارتفاع أسعار المحروقات بالأسواق العالمية، وتداعياتها السلبية على “الانتعاش الهش” لمجموعة من القطاعات الصناعية. أزمة المحروقات انتقلت بدورها إلى المغرب، بالنظر إلى اعتماده الكلي على الخارج لتلبية حاجياته الداخلية؛ الأمر الذي ساهم في ارتفاع قيمة الفاتورة الطاقية خلال الأسابيع الماضية.

في هذا الحوار الذي خص به جريدة هسبريس الإلكترونية، يتطرق مصطفى لبراق، خبير اقتصادي في مجال الطاقة، إلى دوافع الارتفاع المستمر في أسعار المحروقات بالمغرب، وانعكاسات الصراعات الجيوسياسية بالعالم على السوق الوطنية. كما يستعرض الحلول الممكنة لتجاوز تقلبات السوق النفطية الدولية، والفرص الاقتصادية التي تتيحها الاكتشافات الغازية.

إليكم الحوار كاملا:

ما هي أسباب الارتفاع المستمر لأسعار المحروقات بالمغرب؟

لا بد أن أشير، في البداية، إلى أن المغرب لا ينتج البترول؛ ما يجعله يتعرض بشكل مباشر لاهتزازات السوق العالمية. وبالفعل، وصلت أسعار البترول إلى مستويات عالية في الآونة الأخيرة، حيث بلغ سعر البرميل الواحد من “المزيج برنت” 94 دولارا خلال الأسبوع الماضي.

وبما أن المغرب يستورد مائة في المائة من المحروقات، فقد وصل سعر “الغازوال” إلى 11 درهما للتر؛ ما مرده إلى تقلبات السوق العالمية. تبعا لذلك، بلغ سعر “الغازوال” 6 دراهم و67 سنتيما للتر قبل نقله إلى الموانئ ومحطات الوقود، ثم أضيفت له ضريبة الدخل الاستهلاك التي بلغت درهمين و42 سنتيما؛ بمعنى أن مستوى القيمة وصل إلى 9 دراهم عند المورد، بعد إضافة الضريبة.

وخلال الأسبوع الماضي، بلغت تلك القيمة نحو 10 دراهم بدون احتساب هامش الربح والتوزيع بمحطات الوقود. وبعد إضافة هامش الربح الذي بلغ درهما واحدا، أصبح السعر الإجمالي لـ”الغازوال” بالمغرب يقارب 11 درهما. أما السبب الثاني وراء ارتفاع المحروقات، فهو تبعات الجائحة على سوق البترول بالعالم، إذ لجأت الدول المصدرة له إلى إنتاج كميات قليلة في ظل ارتفاع الطلب لتعويض خسائر الحجر الصحي. السبب الثالث الذي يفسر هذه الزيادة الصاروخية يتجلى في فرض الضريبة البيئية على البواخر التي تنقلُ البترول عبر العالم، بعدما أصبحت تستخدم “الغازوال” عوضا عن “الفيول” بسبب التلوث. ويتمثل السبب الرابع في تأجيل وإيقاف العديد من الاستثمارات الطاقية بسبب تداعيات الجائحة؛ وهو ما أثر بالسلب على وسائل الإنتاج. فيما يتمثل السبب الخامس وراء ارتفاع أسعار المحروقات في الصراعات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وبين السعودية والحوثيين، وبين روسيا وأوكرانيا؛ الأمر الذي أثر على إمدادات البترول بالعالم، وهو ما تسبب في ضرر كبير بالنسبة إلى المغرب.

كيف انعكس الصراع الجيو-سياسي بين روسيا وأوروبا وأمريكا حول أوكرانيا على أسعار المحروقات بالعالم؟

أصبحت الأزمة الأوكرانية معقدة بعد مطالبة الأجانب بمغادرة العاصمة كييف في أقرب وقت بسبب احتمال نشوب حرب عسكرية بين القطب الأمريكي والروسي. وفي حالة التصعيد الميداني، سيفرض العالم عقوبات اقتصادية قاسية على روسيا؛ وهو ما سيُسبب خسائر فادحة للاقتصاديات الأوروبية، على اعتبار أن الإمدادات الروسية من الغاز تصل إلى أربعين في المائة، وتقارب العشرين في المائة من البترول.

وبالتالي، فإن أي تدخل اقتصادي من لدن الأقطاب الدولية الكبرى سيدفع الاتحاد الأوروبي إلى البحث عن موارد طاقية جديدة، والتي ستكون مكلفة بالتأكيد، ما سيغير وجه الإمدادات البترولية بصفة جذرية؛ وهو ما سيؤثر بصفة مباشرة على المملكة المغربية في الأسابيع المقبلة.

ما هو تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على تكلفة نقل المواد الأساسية الأكثر استهلاكا من لدن المغاربة؟

لم تقتصر الزيادات على المحروقات فقط، بل شملت جل المواد الاستهلاكية. وبما أن النقل يعد من أهم ركائز تركيبة الأسعار، فأي تغير دولي ينعكس على المنظومة برمتها. أكيد، ارتفع معدل التضخم بالمغرب، حيث وصل إلى 1.4 في المائة سنة 2021، وسيتعدى 2 في المائة خلال 2022.

للأسف، ندرة التساقطات المطرية في هذه السنة ستفاقم وضعية الجفاف ببلادنا؛ ما يجعلنا نعيش وضعية اقتصادية سيئة، خاصة أن الطاقة الكهربائية التي تنتجها السدود تساهم بشكل أو بآخر في تخفيف الفاتورة الطاقية، إلى جانب مساهمات الطاقة الشمسية والريحية، لكن مع ذلك ما زالت ضعيفة، ما يدفعنا إلى استيراد حاجياتنا الطاقية التي بلغت 57 مليار درهم خلال 2020.

كيف يُمكن للحكومة أن تتجاوز تقلبات السوق النفطية الدولية؟

هناك حلول عملية لكنها صعبة التطبيق بسبب تحرير الأسعار. على سبيل المثال، يُمكن وضع نوع من التأمين على القيمة؛ فإذا ارتفع سعرها يتكلف التأمين بأداء الهامش، وفي حال انخفاضها تؤدي الدولة ذلك الهامش. هذا الحل سبق أن جربته الدولة؛ لكنه لم ينجح بسبب انخفاض الأسعار بسرعة، ما جعل الدولة تتضرر من العملية، غير أنه يبقى واردا من خلال الاتفاق على تأمين محدود الزمن (ثلاثة أشهر).

وبإمكان الدولة أيضا تعويم الضريبة الداخلية للاستهلاك (تصل عائداتها إلى 30 مليار درهم في السنة)، عبر تخفيضها لما ترتفع الأسعار، ورفعها حينما تنخفض الأسعار. وهنا، يجب الاشتغال على زيادة المخزون الإستراتيجي من المحروقات، حيث يصل إلى ستة أشهر لدى بعض الدول المتقدمة، بينما لا يتعدى شهرين لدى المغرب.

هل تتفق مع الطرح الداعي إلى تسقيف أرباح الفاعلين والموزعين في مجال المحروقات بالمغرب؟

لن يكون لتسقيف الأسعار أي جدوى في ظل الزيادات التي يعرفها سوق المحروقات بالعالم. أصبحت الأسعار، الآن، بيد الموزعين بعد التحرير النهائي للسوق الوطنية؛ لكن، ومع الأسف، لم يتغير فارق الأسعار بسبب الاقتناء الموحد للشركات المغربية من نفس أماكن بيع المحروقات.

وفي المقابل، استفادت الدولة من تحرير سوق المحروقات، حيث أصبحت توفر لنفسها الدعم السنوي الذي كان يقارب 25 مليار درهم. بذلك، ستكون الدولة قد وفرت 130 مليار درهم إلى حدود الساعة؛ وهي الميزانية التي وظفتها في القيام باستثمارات نافعة.

لا يمكن تسقيف هوامش الربح الضعيفة أصلا في هذه الحالة بسبب ارتفاع السعر الدولي، حيث وصل سعر “الغازوال” -مثلما شرحنا أعلاه- إلى 10 دراهم بدون احتساب تكاليف التوزيع التي بلغت درهما واحدا. التداعيات السلبية لا تشمل المغرب فقط، بل تهم كل الدول غير المنتجة للنفط، ضمنها إسبانيا التي يُباع فيها “الغازوال” بـ15 درهما، في حين يبلغ 17 درهما بفرنسا، و18 درهما بألمانيا، و21 درهما بالسويد.

إلى أي ستساهم الاكتشافات النفطية والغازية المرتقبة في التقليل من تبعات أزمة المحروقات بالمغرب؟

شرع المغرب في التنقيب عن الغاز بمجموعة من الحقول خلال السنوات الأخيرة؛ بينها العرائش وتندرارة، حيث يطمح إلى تسويقه بالخارج للتقليل من قيمة الفاتورة الطاقية المرتفعة. على العموم، من شأن تصدير هذه المادة الحيوية أن يدر على المغرب أرباحا مالية مهمة؛ لكن ذلك يتطلب وقتا طويلا، بدءا بالاستثمارات الضخمة، وانتهاء بالاستعدادات اللوجستيكية؛ لكن حينما يتحقق ذلك على أرض الواقع في السنوات المقبلة، سيستفيد البلد من عوائده المالية.

اشترك في النشرة البريدية لتصلك آخر الأخبار
أضف تعليقك
بارسالك للتعليق انت توافق على قوانين مجتمع السفير
تعليقات الزوار 0
اخر الأخبار
صوة وصورة